القدر


يُعرَّف القدر بأنه مسار محدد مسبقًا من الأحداث يحدد بدوره مستقبل كل شخص أو المستقبل بصورة عامة. ويمكن النظر إلى القدر على أنه مقدر سلفًا من قبل الإله، أو أنه يتكشف من خلال جهود الإرادة البشرية. كما يمكن استخدام كلمة القدر مرادفًا للكارما والمصير. إنه القوة الموجِّهة التي تقود كل إنسان عبر حياته وتوصله إلى ما هو مقدر له، سواء كان خيرًا أم شرًا.

وهو يؤثر بقوة في أحداث حياتنا، وفي القرارات التي نتخذها، وفي الأشخاص الذين نقضي حياتنا معهم. وبهذا يمتد تأثيره إلى حياة كل فرد، ومن ثم إلى المجتمع بأكمله وإلى الدولة.



القدر

لذلك، عندما يحكم شخص ذو قدر سيئ بلدًا أو مجتمعًا، فإنه يؤدي حتمًا إلى مواجهة ذلك المجتمع أو البلد مزيدًا من الصعوبات. ومن ثم فإن الوسيلة الوحيدة التي يستطيع بها الإنسان إدخال تغييرات على قدره هي الممارسة الروحية، ويختلف مستوى هذه الممارسة بحسب شدة قدر كل شخص. ولأن القدر يحدد الأحداث الكبرى في حياة الإنسان مثل الميلاد والزواج والأمراض الخطيرة والحوادث والموت، فإذا كان المرء مقدرًا له قدر سيئ، فإن الوسيلة الوحيدة لتجاوز آثاره أو إبطالها هي التوجيه الروحي. وهكذا يقوم هذا المفهوم على النظام الطبيعي الثابت للكون.

إن أي حدث يقع في الكون أو في حياة فرد، سواء كان كبيرًا أو بسيطًا، لا يحدث لمجرد المصادفة؛ بل يُنظر إلى القدر على أنه قد أوجد له موضعًا كي يقع في حياة كل إنسان.

ويشمل ذلك حتى الأشياء الدقيقة التي نراها والأصوات الصغيرة التي نسمعها. فالقدر ليس خرافة، بل له أساس نفسي قوي. ولذلك فإن كل أمر صغير، مثل تفتح زهرة ثم ذبولها، أو مجيء إنسان إلى الوجود ثم موته، يُعد مقدرًا أن يحدث ولا يمكن الحكم عليه بالاختبار أو بقياس درجته. وأحيانًا يعمل القدر كدواء نفسي عندما تسوء الأمور بشدة رغم العمل الجاد؛ ففي مثل تلك الأوقات يظهر القدر بما يشبه دواءه المحدد مسبقًا. كما يعمل وسيلة لإشباع مشاعرنا الإيجابية والسلبية، وتنشأ الأخيرة عادة من عوامل مثل الغيرة والغضب والانتقام وغيرها. وفي أغلب الأحيان يُنظر إلى القدر والعمل الجاد باعتبارهما وجهين لعملة واحدة، لأن قدرنا يحدد مستوى جهدنا. فبالنسبة إلى المجتهدين يكون النجاح دائمًا قريبًا وتُعد نجومهم مشرقة، أما من يقل لديهم الاجتهاد فتُعد نجومهم خافتة ولا يمكن إضاءتها إلا بالعمل الجاد.

تختلف الآراء حول الحياة بين الغرب والشرق. فالرؤية الغربية تقول إننا نستطيع التحكم في قدرنا أو تغييره في حياتنا، أي إن ما يحدث أو سيحدث في حياتنا هو في النهاية نتيجة اختيارنا. أما الرؤية الشرقية فترى أن ما يحدث في حياة كل فرد ليس تحت سيطرتنا، بل يجري كله وفق خطة مقدرة مسبقًا، ونحن لا نؤدي سوى دور الممثلين. ومع ذلك فليست أي من الرؤيتين صحيحة بالكامل. فمن منظور علم الروحانية يحكم القدر 65% من حياتنا، بينما تخضع النسبة المتبقية، وهي 35%، لعملنا الإرادي. وبما أن القدر يقوم على أفعالنا وأعمالنا، فيمكن تصحيح تلك الـ65% أو تجاوزها بواسطة 35% من العمل الإرادي، ولا سيما من خلال الانخراط في الممارسة الروحية. ولهذا فإن من يعتمدون على القدر يعتقدون أنهم لا يملكون السيطرة على ظروف حياتهم وأن كل شيء يحدث وفق تسلسل ثابت لا يمكن تغييره، بينما يسيطر من يعتمدون على العمل الإرادي على ما يفعلونه ويختارون طرقًا مختلفة للوصول إلى قدرهم.

لا توجد سوى طريقتين للتغلب على القدر أو الاستقلال عنه. الأولى هي أن نسأل: لمن هذا القدر؟ ثم نكتشف أن الأنا وحدها مقيدة بالقدر، وليس الذات الحقيقية، وأن الأنا نفسها لا وجود مستقل لها. والطريقة الثانية هي قتل الأنا بالتسليم الكامل للرب، وإدراك عجز الإنسان، والاستمرار في هذا الموقف دائمًا. ولا يمكن اعتبار التسليم كاملًا ما دام المتعبد يريد من الرب هذا الشيء أو ذاك.

يمكن بلوغ القدر بطريقتين. الأولى هي دراسة المصائر المختلفة المتاحة لك، وإذا لم تكن مقدرًا لأحدها فابتعد واجعل الأنا غير موجودة أو أخضعها للقدر. أما الطريقة الثانية فهي أن تدرك ببساطة حالة عجزك وأن تستسلم تمامًا للرب طالبًا حاجتك، وبذلك تضع الأنا جانبًا وتقضي عليها. فالتسليم الحقيقي هو حب الله من أجل الحب نفسه ولا شيء آخر، ولا حتى من أجل التحرر. ولا ينجح التغلب على القدر إلا إذا محوت الأنا بالتعبد في الطريق الروحي. وكما يقول المثل «كما تزرع تحصد»، فإن ثمرة الأعمال الصالحة هي السعادة وثمرة الأعمال السيئة هي الألم. فالإنسان صاحب الأعمال الصالحة يكتسب الاستحقاق والحظ الجيد، بينما يهوي الكسول من مكانته ويحصد الشر، مثل إدخال مادة قلوية إلى جرح. وهكذا فإن الأصدقاء والازدهار وكل الأشياء الجيدة تنتقل من جيل إلى جيل، ليس بالقدر وحده بل أيضًا بجهد الإنسان، وكذلك تُحسم الحياة بعد الموت بين الجنة والنار.

روابط ذات صلة