المصير والحظ


يبقى هناك دائماً شك حول ما إذا كان المصير والقدر والحظ موجودة حقاً، أم أنها مجرد إجابة بالإيجاب عن سؤال خيالي. ويُقال إن المصير يشكل ما لا يقل عن 40% من حياتنا، لأن كثيراً من العوامل التي تؤثر في حياتنا ترتبط بطبيعة تبدو محددة سلفاً. ومع ذلك، يعتقد معظمنا أنه يمكن تغيير المصير، لأن كل شيء ليس بالضرورة مقرراً مسبقاً، ولأن الإرادة الحرة والعمل الجاد يمكنهما تغيير حياتنا ومنحنا قدراً من السيطرة على ما ينتظرنا.

لكن هل يمكن أن يحدث كل ذلك فعلاً؟ وإذا كان ممكناً، فهل عدم حدوثه سببه أننا لا نعمل بما يكفي لتحقيقه؟ هناك ثقافات وفلسفات تقول إن أمن وازدهار شعوب الحضارة الهلنستية، بل وحتى حظ المدينة بأكملها، كان يُعتقد أنه يعتمد اعتماداً كاملاً على الإلهة تيخي التي لم تكن في وقت سابق من أكثر الآلهة شهرة.



المصير والحظ

الأشخاص الذين يعملون بجد حقيقي للوصول إلى هدفهم قد يحققونه في مرحلة ما من حياتهم، بينما الذين يتركون الوقت يمر بلا هدف قد لا يصلون إلى غايتهم وربما ينتهون إلى أوضاع صعبة. وهنا يبرز الغموض حول من يحدد مصيرنا حقاً: هل هو الله؟ ومع ذلك، ينبغي لكل إنسان أن يتصرف وكأنه يشارك في كتابة مصيره وحظه، لأن الدعاء قد يبدو أحياناً بلا استجابة وقد نواجه ظروفاً أو حظاً غير مواتٍ. ويُعتقد أن الله خلق كل إنسان بمصير حسن وصفات مميزة. ولكل شخص فرديته الخاصة، ومن واجبنا أن نكتشفها وأن نفهم الغاية أو الهدف الذي وُجدنا من أجله في هذا العالم، ثم نعمل وفقاً لذلك للوصول إلى هدفنا. ولذلك فإن معرفة السبب الحقيقي لوجودنا في هذا الكون مسؤولية مهمة، وكذلك السعي إلى تحقيق تلك الغاية. وحتى إن لم تكن النتائج كاملة دائماً، فإن من يجتهد بصدق يملك فرصة أكبر للنجاح.

لكل إنسان جانبان؛ فمهما كان الشخص قوياً، يبقى لديه جانب أضعف يخشى الهزيمة وقد يؤدي ذلك إلى انخفاض الثقة بالنفس. وعندما تقل الثقة بالنفس، قد يصبح الإنسان معتمداً على عوامل خارجية، كما يعتمد الكائن الطفيلي على غيره ليعيش. وبالطريقة نفسها، يفضل بعض الناس إغماض أعينهم وانتظار الحظ أو قوة عليا لتعمل نيابة عنهم بدلاً من تكريس أنفسهم للعمل الجاد. وعندما تسوء الأمور أو يتوقف العقل والقلب لسبب ما عن السير في الاتجاه الصحيح، يلجأ كثيرون إلى الله ويأملون أن يقوم شخص ما أو قوة خارقة بتدوير عجلة الحظ لمصلحتهم. وقد يتحول ذلك في الحقيقة إلى هروب من الواقع أو الهزيمة، ومحاولة لتجنب الضغط بالاحتماء بظل قوة عليا، مع الخضوع لأفكار متخيلة عن سوء حظ مقرر مسبقاً. نحن نجيد غالباً انتقاد الآخرين، لكن عندما يتعلق الأمر بشؤوننا الخاصة قد نفشل في فحص أخطائنا والعمل الجاد على تصحيحها، ونفضل انتظار الحظ الجيد.

مجرد الجلوس وانتظار أن يأتي حظ مفاجئ أو فرصة سعيدة لمصلحتنا ليس تصرفاً حكيماً، لأنه قد يقود إلى الخوف ثم إلى الهزيمة. فالمجتمع يعلمنا أحياناً أن نخاف، كما تعزز بعض المحظورات الاجتماعية والدينية ذلك الخوف. ولهذا، عندما تسوء الأمور، قد نبتعد عنها ونتحمل الألم بدلاً من بذل الجهد ومواجهة العائق. وليس المقصود أن نحمّل الله مسؤولية كل شيء، بل أن نواجه المشكلة مباشرة ونحاول التغلب عليها. وقد يكون سوء الحظ ناتجاً عن جهلنا نحن أو عن سبب واضح أو خفي، ولذلك فمن واجب كل شخص أن يبحث عن حلول لمشكلاته بدلاً من إلقاء المسؤولية على عوامل متخيلة مثل القدر والمصير.

تفسير المصير من خلال الحظ هو أكثر من مجرد أسلوب للوساطة، إذ يمكن القيام به عبر دراسة لغة رمزية تتكون من رموز ونماذج أصلية لمحاولة قراءة الماضي والحاضر والمستقبل في حياة الإنسان، بما في ذلك الحياة الاجتماعية والشخصية. ومن ثم، يمكن لهذه الأساليب المرتبطة بالحظ أن تساعدنا على توجيه حياتنا في اتجاه يُعد مناسباً لنجومنا وعلاماتنا. وحتى في عالم اليوم الحديث ما زال تفسير العلامات والنذر والمصادفات والظواهر الطبيعية موجوداً، وهو ما يبيّن أن التاريخ لا يزال يلعب دوراً مهماً.

إن الهروب من الواقع والفشل في الحياة سيؤثران حتماً في الأجيال القادمة، وقد نصبح مسؤولين عن فقرهم إذا لم نستطع أن نوفر لهم تعليماً جيداً أو مسكناً أو طعاماً، رغم أنهم لا ذنب لهم في ذلك. لذلك فمن الحكمة ألا نكتفي بانتظار أن يسمع الله دعاءنا ويغدق علينا بركات الحظ، بل أن نحاول صنع حظنا ومصيرنا بأنفسنا؛ ومن يعمل بهذه الطريقة تكون فرص نجاحه أكبر. ومن الآن يمكننا ألا نكرس كل طاقتنا للدعاء بأن يكتب الله حظنا، بل نبحث عن قدراتنا ونعمل عليها للوصول إلى مصيرنا. فالحياة ليست واحدة للجميع: أحياناً يأتي النجاح من دون توقع، وفي حالات أخرى قد نفشل رغم أننا بذلنا أفضل ما لدينا. نعتقد أن العمل الجاد قادر على تغيير المصير والسيطرة عليه، لكن هناك أيضاً حالات كثيرة من الفشل. وينبغي أن نفهم أن النجاح لا يأتي أيضاً عندما نعمل بجد من أجل شيء خاطئ أو بطريقة خاطئة. وقد تتأثر أمور كثيرة في حياتنا في مرحلة ما بما يبدو محدداً أو مرتباً مسبقاً، كأنه رمز خاص للمصير يمكن مع ذلك أن يتغير. أما اختيار الإيمان بمصير حياتك ومحاولة اكتشافه فهو قرار شخصي. لذلك، عندما نفهم مصيرنا بصورة أفضل، علينا أن نختار الطريق الصحيح للوصول إليه مع تجنب العقبات.

روابط ذات صلة